علي أحمد آل قنبر

غاب عباس.. ولكن يظل في القلوب

علي أحمد آل قنبر

نفتح العديد من الكتب في حياتنا منذ أن نمَت فينا غريزة الفضول قبل أن نتمكن من الترنح محاولين المشي على أقدامنا الصغيرة، فيدينا كانت وسيلة الوصول للأشياء ووسيلة وصول الأشياء غالباً لأفواهنا.

قبل أن نحبو أو نمشي تكون بقعتنا التي نجلس بها هي عالمنا الذي نملك، فنتناول كل ما تطاله أيدينا الصغيرة في حدود تلك البقعة. يجذبنا كل مغلق لنكتشف ما بباطنه ولحرص أهلنا علينا يبعدون كل ماقد يؤذينا عن عالمنا الصغير.

كثيراً ماتطال أيدينا الكتب والمجلات ودفاتر الواجبات والعديد مما تحتويه الجلدتين. في ذلك السن وما يليه يأسرنا الفضول لرؤية الصور وتراص السطور بترتيب يجعلها كلوحة لا نعلم ماتعنيه ولسبب ما نشعر بأنه لابد وأن يكون مهماً، ولكن يلفتنا كذلك الأطراف البيضاء التي لا كتابة بها ولا صورة.

أتذكر جيداً حين سألت لاحقاً معلمي في المدرسة الابتدائية ما اسم هذه الفراغات التي تحيط بالمكتوب أو المرسوم على أطراف الصفحات؟
ابتسم وهو قليل الابتسامة وقال: هل تركت كل المكتوب ونظرت للهوامش! ركز على المكتوب ولا تنظر للغير مكتوب فالهامش غير ضروري ولكن تقدر تكتب أشياء بترجع لها لاحقاً.

في سنة لاحقة استأجرت كتاباً من مكتبة أرامكو المتنقلة حين زارت مدرستي وحين شرعت في القراءة لفتني أنه هناك بعض الملاحظات كتبت باليد على هامش بعض الصفحات فهرعت للمعلم أتذمر بأن الكتاب ليس جديد وبعد أن تصفحه سريعاً قال من استأجره قبلك كان ذكياً فقد كان يترك ملاحظاته على هامش الصفحات.

إن كان الهامش غير ضروري فلماذا نكتب عليه ملاحظاتنا ونملأ بياضه بحبر أقلامنا و نضع عليه أهم التساؤلات ونسترسل فيه بأهم ما خرجنا به من استنتاجات؟

الهامش ليس مكان أقل أهمية ولا يسكنه الغير ضروري وليس مكان يساوي الصفر أو الفراغ.

كثير مانسمع بأن فلان عاش على هامش المكان أو الزمان أو الحياة، فهل ذلك الهامش بالنسبة لهم كالفراغ الذي نراه أم كالملاحظات التي نسكنها إياه؟

كثيرون مروا في حياتنا على أطراف صفحات نحن سطورها ولكنهم كانوا الخلاصة التي سكنت هامشنا، فهم ترجمة لأحوالنا ومصيرهم سببه جلدتي كتابنا الذي نقرأ، وهم كل شيء إلا هامش لا قيمة له.

مهداة لروح المرحوم (السيد عبّاس) وابتسامته التي غابت منذ زمن..

السابق
لجنة الثقلين تحتفل (افتراضيًا) بـ “فرحة العيد”
التالي
الفحص الفني يعلن مواعيد العمل (حتى إشعار آخر)
إعلان

تعليقان

أضف تعليقا

  1. الشمقمق قال:

    كاتب بارع التصوير .. استحضر تحفيز الذاكرة بسعة من لعبة الخيال الخصب .. تسلسل مشوب بالجمال .. وربط فني أخاذ ..
    فقط كنت أرجو ألا تنتهي المقالة بهذا القدر !

    الظل هو عباس .. والفيء غير محكوم بمرور الزمن !!

    من القلب شكرا وأكتفي بهذا المختصر الجميل 👇🏻

    ” كثير مانسمع بأن فلان عاش على هامش المكان أو الزمان أو الحياة، فهل ذلك الهامش بالنسبة لهم كالفراغ الذي نراه أم كالملاحظات التي نسكنها إياه؟”.

    1. غير معروف قال:

      أشكرك على هذا اللطف، دمت بود

اترك تعليقاً