علي أحمد آل قنبر

صوت الهزيع الأول

علي أحمد آل قنبر

لا يمر اليوم من حياتنا حتى تعلق في الوجدان أشياء و حالات و أفعال، بعضها نجتهد للتشبث به و أخرى تنهكنا حتى تغادر تفاصيلها ذاكرتنا الفتية ولكنها تجتمع وتكوّن مايسمى لاحقاً بالحنين.

في المجتمعات اللصيقة ببعضها حد الاطمئنان يبرز في كل صنعة أشخاص يتفردون بحجز مقعد عال وذا صوت او فعل يتردد صداه طويلاً حتى يغدو أساساً في كل خلفية تدور أحداثها اليومية وكأنه من المسلمات دون ملاحظة انه قابل للفقد.

في حارتنا كانت هناك أصوات تخترق الجدران كإعلانات تجارية وعرض لبضاعة المتجولون أصحابها، كان هناك من ينادي ورد محمدي، ومن ينادي تتن، آخر ينادي هافات مدارس الله الحارس، لاحقاً خفتت الأصوات التجارية المحلية واستبدلت بأصوات دخيلة لمن ينادي بليلة و من يدلل على الزوالي .

شهر رمضان وطابعه الخاص يتميز بنكهات اخرى ليلاً في مدينتي كما باقي أغلب مدن وقرى المحافظة، وإحدى النكهات الرمضانية هي نغمة عالقة في ذهن كل ساكن فريج او مار في زقاق او حتى عابر سبيل بسيارته، فما ان تنتهي آخر ساعات الصيام وتعقبها اولى ساعات الإفطار حتى ترتفع أصوات المكبرات معلنة بدء تحليق المشاعر على بساط الشجن.

في الشطر الجنوبي من الديرة تعتبر النكهة الرمضانية الأبرز عبارة عن خليط صوتي راسخ بأصالة تكونت على مدى سنوات تصل لعقود، فشهر رمضان في تلك الناحية عبارة عن صوت السَّحَر في الهزيع الأخير و صوت الختمة في الهزيع الأول منه.

مجالس ختم القرآن او ما يُعرف بـ (درس القرآن) في المنطقة ضاربة في القدم بالمجالس التي تقام في البيوت او ماتعرف بالعادات ، يعقبها غالباً مجلس خطابة او قراءة حسينية توكل لخطيب سواء شيخ او ملّا وقد يستمر ذلك الخطيب بتلك العادة في ذات المجلس لعشرين او حتى ثلاثين سنة.

قادماً من بيته الملاصق لأكبر جوامع سيهات في تلك الفترة متجهاً للبيت الذي تعوّد فيه القراءة كل ليلة لسنوات طوال، يمشي ملا محسن ولسانه يلهج بالذكر طوال الدقائق التي يستغرقها للوصول لبيت الحاج أحمد نصيف والتي قد لا تتجاوز مدتها قراءة السور القصار من القرآن.

في منتصف الطريق بين بيته والمجلس يقع منزلنا حيث أتعمد انتظار مروره و أمازحه ( اقرا عنك اليوم ملا؟ ) وبابتسامة لا تكاد تُرى يجيب ( تكبر وتنال الشرف )، و في إحدى الليالي وجواباً على سؤالي المتكرر اجاب مايمزحون الليلة ياولد ابو سمير ، ترى الليلة الضربة.

الملا عبدالمحسن علي المعلم، أحد أقدم ملالي سيهات الذين تتلمذوا على يد أشهر خطبائها، من الأصوات التي غادرت منذ مايزيد عن العشر سنوات بعد ان تركت لرمضان في وجدان من عاصروه بصمة، فلا يستطيع الذي نشأ في تلك البقعة في الثمانينات والتسعينات الميلادية أن يفرق بين ماتحمله له الذاكرة حين سماع صوته و ما يحمله له الحنين حين دخول شهر رمضان.

السابق
الموارد البشرية تحدد مواعيد بدء إجازة عيد الفطر للقطاعين العام والخاص
التالي
الداخلية: عقوبة من يستخدم التصريح في غير ماخصص له
إعلان

اترك تعليقاً