سيد تقي اليوسف

أنيــــــسُ الــبـــلــد

بقلم: السيد تقي مهدي اليوسف
سيهات – 23 صفر 1441هـ

بسم الله الرحمن الرحيم
(الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)

رحمك الله يا عم إبراهيم يا أنيس البلد
رحمك الله يا أقدم نزيل رعته -مشكورة- جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية ..

ارتحل عنا قبل أيام رجل خفيف المؤونة لطيف المعشر أنيس ومؤنس، عاش متنقلاً كطير حب يلتقط رزقه من الحسنات بجميل المؤانسة في البيوتات مع الناس مع الأقارب والأهل ..

رجل ارتسمت في ملامح وجهه تضاريس الأطلس لبلدته سيهات، حفرتها السنين التي عاشها فيها مؤنساً لنواحيها وضفافها ونخيلها أينما حل وارتحل، تراه يمشي في الأزقة سامت الطول يمشي لا يبالي بما حوله مهتماً بنفسه وما عنده من أغراض، ومركزاً على وجهته وهدفه ألا وهو صلة الأرحام ومعاشرة الناس بالحسنى ..

رحل عنا رجل خفيف الظل جليس الكل، بسيط في حياته جميل في صفاته، من عرفه ومن لم يعرفه كان يشعر بأن خلف هذا الانسان الوحيد الصامت طاقة حنان لا توصف ، وقصة معاناة مخفاة خلف جدار العزلة الذي اكتنفه وأبعده عن مسارب هذه الحياة التي أرهقته وأخذت من زهرة شبابه وتركته في مجمع سيهات للخدمات الاجتماعية بلا زوجة ولا أولاد ..

إنه أخونا وعمنا وأنيس بلدتنا العم إبراهيم عيد ، ذلك السيهاتي الأًصيل ..

إنسان ملك روح الأنس ليس بسواليفه وحكاياه، بل بقدميه التي جابت سيهات طولاً بطول ، شوارع وأزقة وبيوت ومزارع وحسينيات ومجالس وملاعب ومقاهي ونادي وجمعية ، تلك الأقدام والنعال وبتلك الأناقة والهيئة السامقة، ونظرات الحذر التي تراقب ما حوله خوفاً من أشقياء الخلق الذين يتعرضون له ولأمثاله من الناس البسطاء المساكين الطيبين ومن يطلق عليهم أهل الله، حيث لا رحيم بهم إلا ما رحم الله، ومن وفق لخدمتهم ومساندتهم ورعايتهم وهم كثر بحمدالله وعلى رأسهم جمعية سيهات التي احتضنته وآوته مدة تربو على47 سنة فلها منا كل شكر وتقدير وثناء ..

رحل عنا ذلك المشجع الشغوف ببلدته وناديه نسر الخليج الذي لم يكن ليفوت له مباراة إلا وحضرها مشجعاً بعنفوان شبابه وقبلات عشقه للأصفر والأخضر، حتى بلغ منه العمر عتيا وتغيرت الدنيا عليه، وجاء التلفاز والدش والستلايت وبعدت عليه المسافات، فتغيرت عليه الأمور لجهله بتعقيداتها، فتوجه ببرائته لما هو خير وأبقى عند الله، حيث زيارة ذوي القربى والتشبع منهم والقرب منهم اكثر فأكثر، وكان بذلك أرضى وأسعد ..
فطرته السليمة البسيطة لم تجعل عنده للزيارة مقدمات ولا حجوزات،  فالجميع يعرفه بانسانيته وعفويته وعفته وحيائه وخوفه من أن يسبب أي ازعاج لأحد، وكان الجميع يقدر مشاعره وحبه للزوارة وبالأخص أرحامه وذوي القربى الذين فتحوا له مشرع الأبواب في الليل والنهار ليعيش معهم الأنس ويعيشوا معه متى وأين ما شاء فالقلوب كلها مفتوحة له متى ما حل وارتحل ..

كنا نراه فرحاً مسروراً بأقل الهدايا التي يعطاها في أي مناسبة ومن أي زيارة، ويكون ممتناً لمن أهدوه تلك الهدايا ولو قطعة حلوى صغيرة، يشعر بها وكأنه ملك الدنيا وما فيها لأنه لمس من خلالها محبة من حوله وعطفهم وحنانهم عليه، وهو ذاك اليتيم الكبير بعمره الصغير أمام هكذا مشاعر جميلة تغمره بالسعادة والحب، وقد تهل عيناه دمعاً من فرط تلك الأحاسيس الغامرة ..

رحل عنا ذلك الرجل ذو الأنفة والكبرياء لحقوقه البسيطة التي كان البعض يزعجه فيها للأسف، ومن تلك الأمور التي كان يحبها ويعشقها ويتطلبها عمنا ابراهيم هي السيجارة التي تعلق بها وتعلقت به طيلة حياته حتى عرف بالمدخن الشغوف أينما حل ببيت او مجلس، وأيضاً شربه للشاي الذي لا بد له من بيالة يرتشفها مع السيجارة، والظريف من عمنا حين يزورنا مستعجلاً تراه يجلس جلسة القرفصاء ليشرب الشاي ويدخن السيجارة ليدرعم خارجاً بسرعة، فلا وقت لديه يؤخره عن مسار زياراته اليومي وكأنه نسر يجوب الجبال يتنقل برزقه من عش إلى عش ..
ومع كبر سنه وتعرضه للأمراض كنا نشفق عليه ونراقبه خوفاً عليه من سيجارته أو قدح الشاي الذي اصبح يفرغ قبل ان يشربه، حيث ارتعاش يديه يحرمه من لذة الاستمتاع بالشاي، وكأن تلك الرعشة تبث شكواه من ألم السنين وخوف العتمة ونسيان الزمن ودنو الأجل، .. فكنا من القلب ندعو له بالصحة والعافية وطول العمر ونتمنى أن يترك الدخان ليعيش بصحة وسلام، لكنه العشق للسيجارة وما أدرانا ما بينه وبينها من عشق اقترن معه طوال السنين حتى قبل أن نخلق ..

رحمك الله يا عم ابراهيم، عشت انسان خدوم لأهلك وناسك، ومن وعيت بفطرتك بأنهم ممن وجب حقهم عليك، فكنت تأتي البيوت زائراً فتجعل من نفسك خادماً مؤنساً دون طلب، فكنت تحمل أكياس القمامة لترميها، أو تمضي لتشتري الخبز وأي غرض يحتاجه أحبابك بكل رحابة صدر،، ومن طريف تصرفاته، كنا نراه ممسكاً بأطراف جيوبه المليئة أحياناً بالعصائر وأوراق النشاف والريالات بعد أن ينهي لفته في البلد متنقلاً من بيت الى بيت و من حي الى حي  ومن مجلس إلى مجلس، وفي لحظة نراه ينزوي في ركن المجلس ليراجع حصاده الطيب من رحماء الناس الذين يحبونه ويحسنون إليه لطيبته ومسكنته التي تذكرنا برحمة الله الواسعة، وبحديث “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” ..

رجل عاش الحيوية والنشاط والحركة والنظافة في الملبس، يشتري لنفسه ما يبقيه جميلاً وأنيقاً في نفسه وفي عيون الناس، فيذهب الى الأسواق في الدمام مع سيارة الأجرة أو مع من أحب خدمته ويثق فيه في المرافقة من اجل أن يشتري جاكيت يعجبه أو ثوب يستلطفه أو غترة يتأنق بها ليشعر بعدها بالسعادة الغامرة التي يحبنا ان نشاركه اياها فيسألنا بثقة : هاه ويش رايكم في ثوبي وجاكيتي وغترتي؟ .. آه ما أجملك يا عم إبراهيم ،، ومن اهتماماته بنظافته الشخصية فحدث ولا حرج عن نظافته التي ليس لها مثيل الى حد أنه لو تعرض ثوبه لأي اتساخ بسيط دون قصد تراه يطلق صرخة انذار مسرعاً لاقرب مغتسل وبالصابون يعالج تلك المشكلة التي لا تغتفر عنده، فلا صداقة له مع الاهمال والوسخ ،،

عمنا العزيز إبراهيم ايها الانسان الباحث عن الأمن والأمان والحب ، لا شك بأنك وصلت في النهاية الى مقرك الأخير في مستقر رحمة الله التي كانت لك الحافظ طيلة حياتك التي عشتها،والآن بعد مماتك وحلول الأجل، فعليك رحمة الله ورحمات أنبيائه ورسله وملائكته والشهداء والأصفياء من خلقه *يا أنيس البلد ..

ولك منا رسالة محبة وتقدير واحترام واعتذار من كل فرد من أهل بلدتك سيهات التي عاشت بك أجيالاً من المشاهد والعبر والقصص التي تحكى والتي لا تحكى، لأنك عشت أنيساً لناسها بأحاسيسك ومشاعرك أكثر منك بكلماتك، وكنا مقصرين معك مهما اعتذرنا، وما حياتك ومماتك إلا عبرة لنا لنعيش في أنس وحب وسلام مع الله مع الذات ومع الناس ، وهذا هو ميراثك الأجمل يا عم إبراهيم ، وعظم الله لنا جميعاً الأجر بفقدك يا عمنا الغالي وأنيس بلدتنا ..
وإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..

معلومة للتاريخ:
توفي العم إبراهيم يوم الأحد 21 صفر بعد تراكم الأمراض عليه وأدت الى بتر احدى رجليه، وإلى وقت نشر هذا المقال (ظهر الخميس 25 صفر الساعة 3 عصراً) لم يوارى جثمانه بسبب عدم امتلاكه بطاقة أحوال مدنية، ولا ندري من الملام في هذا الأمر .. وللتو وصلنا خبر أن إجراءات السماح بالدفن قد صدرت بحمدالله .. وواجبنا الآن أن لا نقصر في حضور تشييعه -رحمه الله بواسع رحمته- فهو *أنيس البلد.

السابق
قياس يحدد موعد نشر نتائج الورقي الفترة الأولى للبنين والبنات 1441
التالي
سباحة الخليج تشارك في بطولة السباحة لأندية الدمام والهيئات ومراكز الاتحاد الأولمبية
إعلان

اترك تعليقاً